عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
90
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
فأول ما أنشأ في ذلك ، قال : للّه في خلقه نذير يعلمهم أنه البشير . أراد رضي اللّه عنه بالنذير والبشير : الحقيقة المحمدية الكلية ، التي هي موجودة بجريانه في كل نبيّ ووليّ بالعين والشهود . وفيما عدا هذين الوصفين - بالحكم والوجود - فهي على التحقيق روح الأرواح ، ولهذا قال : وهو السّراج الذي سناه يبهر ألبابنا المنير . أي ، الحقيقة المحمدية هي النور الذي يقع به التميّز ، ومن ثمّ عبّر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن روحه الكريمة بالعقل ، فقال في حديث : « أول ما خلق اللّه العقل » « 1 » . وقد ورد عنه أنه قال : « أول ما خلق اللّه روح نبيّك يا جابر » « 2 » . فعلمنا أن روحه هي العقل الذي به ظهر الوجود ، وتميّز العابد من المعبود ، لأن اللّه تعالى جعل العقل الأول جامعا لحقائق الموجودات ، وأبرزها منه على الترتيب الذي أراده في علمه ، وقضى به في حكمه . والدليل على ذلك ، ما ورد في الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال حاكيا عن اللّه تعالى أنه قال للقلم : « اكتب . فكتب في اللوح المحفوظ ، ما كان ، وما يكون ، وما هو كائن إلى يوم القيامة » « 3 » والقلم هو العقل الأول المعبّر عنه بالروح المحمدية ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « أول ما خلق اللّه القلم » « 3 » فوجه الجمع بين هذه الأحاديث الثلاثة ، أن يكون المراد بجميعها واحدا . ثم نبّه الشيخ - رضي اللّه عنه - على تحقيق ظهور صفات العقل الأول في كل قطب كامل بقوله : في كل عصر له شخيص تجري بأنفاسه الدهور . يعني : لظهور صفات الحقيقة المحمدية في كل عصر ، إمام مستكمل الشروط القطبية . تجري بأنفاسه الدهور . أي : يتحكّم في حركات الوجود وسكناته حسبما يقتضيه الكمال الإلهي ، خلافة محمدية . وكان أول ظاهر بهذا المقام ، أبونا آدم عليه الصلاة والسلام . وهو لنا ، بحكم الوراثة من أبينا . وسيكون آخر من يظهر بهذا المقام ، عيسى عليه الصلاة والسلام .
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 822 ) [ 1 / 236 ] ، دار الكتب العلمية - بيروت . ( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 826 ) [ 1 / 237 ] ، دار الكتب العلمية - بيروت . ( 3 ) رواه أبو داود في سننه ، باب في القدر ، حديث رقم ( 4700 ) [ ج 4 ص 225 ] والترمذي في جامعه الصحيح ، حديث رقم ( 2155 ) [ ج 4 ص 457 ] ورواه غيرهما .